ابن يعقوب المغربي
718
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
ما هنالك ، وكيف لا يكون الأمر أعظم من ذلك وكلام اللّه تعالى في الرتبة العليا من البلاغة والغاية القصوى من الفصاحة ، وقد أخرس البلغاء وأعجز الكمل من الفصحاء . ولما كان هذا - أعنى كون فواتح السور وخواتمها - على أكمل الوجوه مما قد يخفى على بعض الأذهان لما في بعض الفواتح والخواتم من ذكر الأهوال ، والإفزاع ، وأحوال الكفار ، وأمثال ذلك ؛ كذكر الغضب والذم كما في قوله تعالى في الفاتحة : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ " 1 " وقوله تعالى سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ * لِلْكافِرينَ " 2 " وقوله تعالى في الخاتمة : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ " 3 " وقوله تعالى : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ " 4 " أشار إلى ما يزول به هذا الخفاء فقال ( يظهر ذلك بالتأمل ) في معاني الفواتح والخواتم ( مع التذكر لما تقدم ) من القواعد والأصول المذكورة في الفنون الثلاثة الدالة على وجه الحسن ، وأن لكل مقام خطابا يناسبه ، مثلا فاتحة سورة براءة لما نزلت للمنابذة إلى الكفار ومقاطعتهم ، بدئت بما يناسب ذلك من الأمر بقتالهم وعذابهم والنبذ إليهم وإسقاط عهدهم ، ولما انتهت إلى ما يناسب التحريض على اتباع الرسل قيل : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ " 5 " فوصفه بما لا عذر لأحد يستمعه في ترك اتباعه ، ثم أمره بالاكتفاء باللّه والتوكل عليه إن أعرضوا ، والاستغناء به عن كل شيء . فهذه ألفاظ هي النهاية في الحسن ، ومعان هي القصوى في المطابقة ، وكذا الفاتحة لما نزلت لتعليم الدعاء بدئت بحمد المسؤول ووصفه بالأوصاف العظام ؛ لأن ذلك أدعى للقبول وللتتجمع النفس عليه في السؤال ، ثم قيد المسؤول بأنه هو الذي لا
--> ( 1 ) الحج : 1 . ( 2 ) المعارج : 1 . ( 3 ) الكوثر : 3 . ( 4 ) الفاتحة : 7 . ( 5 ) التوبة : 128 .